بدر محمد بدر يكتب :سطور من حياة الإمام المجدد “حسن البنا” ( 14 )

وصل “المدرس” الجديد إلى الفندق, وترك حقيبته وذهب إلى المدرسة ليقابل الناظر والمدرسين كي يتسلم عمله, وهناك تعرف على أحد أصدقائه القدامى من مدرسي المدرسة؛ حيث نزلا سوياً في “بنسيون” (بيت مكون من مجموعة من الغرف, يتم تأجيرها لطالبي السكن, يوفر لهم المبيت دون الطعام, ولا يحتاج إلى إدارة كبيرة مثل الفندق، وبالتالي يكون أرخص في التكلفة لطالبي السكن), وكان “البنسيون” الأول الذي نزلا فيه لسيدة إنجليزية, ثم إلى آخر تملكه سيدة إيطالية.
وظل “حسن البنا” مدة أربعين يوماً كاملة, يقضي وقته بين المدرسة والمسجد العباسي والمنزل, لا يحاول أن يختلط بأحد, ولا يحاول أن يتعرف إلى بيئة غير بيئته الخاصة من زملائه في وقت العمل, وقسم وقت فراغه بين المطالعة أو تلاوة القرآن, وبين التعرف على البلدة الجديدة (مدينة الإسماعيلية) ودراستها دراسة فاحصة, وهو في كل ذلك لم ينس أبداً كلمة صديقه “محمد أفندي الشرنوبي” الذي جاء يودعه قبيل سفره إلى “الإسماعيلية” مع وفد من أصدقائه وزملائه: “إن الرجل الصالح يترك أثراً صالحاً في كل مكان ينزل فيه, وإنا لنرجو أن يترك صديقنا (أي حسن البنا) أثراً صالحاً في هذا البلد الجديد عليه..”.
وبعد فترة استأجر “حسن أفندي” وصديقه منزلاً بدل “البنسيون”, ومن طرائف المصادفات أن هذا المنزل الجديد كان مكوناً من ثلاثة أدوار, استأجر مجموعة من اليهود الطابق السفلي, واتخذوا منه ناديا وكنيساً، واستأجر الطابق الأوسط مجموعة من المسيحيين، واتخذوا منه نادياً وكنيسة, واستأجر هو وصديقه الطابق العلوي, وجعلوا منه مسكناً ومصلى, وبالتالي اجتمع في هذا المنزل أتباع الرسالات السماوية الثلاث, دون أن تحدث بينهم مشكلات!..
كانت “مدينة الإسماعيلية” في ذلك الوقت, لها وضع فريد, ففي غربها يقع المعسكر الإنجليزي, ببأسه وسلطانه, وهيله وهيلمانه, يبعث في نفس كل وطني غيور الأسى والأسف والمرارة, ويدفعه دفعاً إلى مراجعة هذا الاحتلال البغيض, وما جره على مصر من نكبات ومصائب جسام, وما أضاع عليها من فرص مادية أدبية, وكيف كان الحاجز الوحيد دون نهوضها ورقيها, والمانع الأول من وحدة العرب واجتماع كلمة المسلمين.. وفي شرق المدينة يقع نوع آخر من الاحتلال, حيث مكتب إدارة “شركة قناة السويس الفرنسية” بروعته وسطوته, والذي كان يستأثر بالإشراف على كل المرافق العامة في المدينة, مثل النور والمياه والنظافة, وكل ما هو من اختصاص المجالس البلدية, تتولى الشركة مسئوليته, حتى الطرق والمداخل التي تربط “الإسماعيلية” بغيرها من المدن المصرية, في أيدي الشركة الفرنسية!.. فلا دخول إلا بإذنها ولا خروج إلا بموافقتها, بالإضافة إلى المنازل الفخمة المنتشرة في حي “الإفرنج” بأكمله, ويسكنها موظفو الشركة الأجانب, بينما تقابلها مساكن العمال المصريين في ضحالتها وصغر شأنها, حتى الشوارع الأنيقة في حي العرب كانت كلها تحمل لوحات مكتوبة باللغة الفرنسية, لغة الاحتلال الاقتصادي لتلك المدينة!..
لم يكن “بالإسماعيلية” سوى مسجد واحد هو المسجد العباسي, وهو يمتلئ فقط يوم الجمعة بكبار السن, أما بقية أيام الأسبوع, فعدد رواد المسجد قليل جداً, وكان تعداد المدينة في تلك الفترة لا يتجاوز 35 ألف نسمة, يعملون في الأعمال والحرف البسيطة, ولا أحد منهم يستطيع أن يرفع رأسه أمام الأجانب المحتلين, من الإنجليز والفرنسيين!

أضف تعليق

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن