بدر محمد بدر يكتب: سطور من حياة الإمام المجدد “حسن البنا” ( 15 )

كانت المدينة بالنسبة لـ “حسن البنا” مليئة بالكثير والكثير من المعاني والدلالات والإيحاءات, التي ساهمت – بشكل كبير – في تشكيل وتكييف وبلورة ماهية الدعوة الجديدة, بل والداعية نفسه, حيث أدرك بحاسته وفراسته, أنه رغم الطابع الأوروبي, والتقاليد الغربية الواضحة فيها ـ ومنها مثلاً أن الإجازة الأسبوعية كانت يوم الأحد, بينما الجمعة يوم عمل، إلا أن هناك شعوراً إسلامياً قوياً في أعماق قلوب أهلها, الذين يلتفون حول العلماء, ويقدرون ما يقولون..
أكبر مشكلات المسلمين:
فكر “حسن البنا” طويلاً في الاختلافات التي مزقت البلدة, ولم يكن يريد أن يضعه أحد في صف أتباع هذا المذهب أو ذاك.. إنها أكبر مشكلات المسلمين طوال تاريخهم… الفرقة والاختلاف والانقسام والتشرذم الذي يؤدي إلى العداوة والبغضاء والشحناء.. كانت هذه أول مشكلة يواجهها “حسن البنا”.. إنه يريد أن يتصل بالجميع, وأن يخاطب الكافة, ويلم شتات الأهل, وقرر أن يبتعد ـ ما استطاع ـ عن الحديث إلى الناس في المساجد, فجمهور المسجد هم الذين مازالوا يذكرون موضوعات الخلاف الفقهي, ويثيرونها في كل مناسبة, وبالتالي لا جدوى من التحدث إليهم وهم على هذا الحال.
لم يكن أمامه إذن من طريق, سوى ما سلكه من قبل .. طريق الدعوة إلى الله في المقاهي والمنتديات العامة, وبالفعل اختار ثلاث مقاه كبيرة, تجمع ألوفاً من الناس, ورتب في كل مقهى درسين في الأسبوع, أي ستة دروس في الأسبوع, وواصل التدريس والوعظ بانتظام, وكما حدث في “القاهرة” حدث في “الإسماعيلية” فقد بدا الدرس غريباً على الناس في أول الأمر, ولكن سرعان ما ألفوه وأقبلوا عليه بعد ذلك..
كانت التجربة السابقة في القاهرة, قد أفادته بشكل كبير ـ كما يقول في مذكراته ـ “يتحرى الموضوع الذي يتحدث فيه جيداً, بحيث لا يتعدى أن يكون وعظاً عاماً, تذكيراً بالله واليوم الآخر, وترغيباً وترهيباً, فلا يعرض لتجريح أو تعريض, ولا يتناول المنكرات والآثام, التي يعكف عليها هؤلاء الجالسون, بلوم أو تعنيف, ولكنه يقنع بأن يدع شيئاً من التأثير في هذه النفوس وكفي.. وهو كذلك يتحرى الأسلوب, فيجعله سهلاً جذاباً مشوقاً, خليطاً بين الفصحى والعامية أحياناً, ويمزجه بالمحسات (الأشياء الملموسة) والأمثال والحكايات, ويحاول أن يجعله خطابياً مؤثراً في كثير من الأحيان. وهو ـ بعد هذا ـ لا يطيل, حتى لا يمل الناس, فلا يزيد الدرس على عشر دقائق, فإذا أطال فربع الساعة, مع حرصه التام على أن يوفي, في هذا الوقت القصير معنى خاصاً, يهدف إليه, ويتركه وافياً واضحاً في نفوس السامعين.. يقرأ القرآن قراءة خاشعة مؤثرة, ويكتفي بتوضيح المعنى الإجمالي دون تفصيل..”.
استطاع “حسن البنا” ـ بهذا الأسلوب ـ أن يؤثر في مستمعيه, حتى أنهم أقبلوا على تلك المقاهي ينتظرون موعد الدرس! وأخذوا يفيقون ويفكرون, ثم بدأوا يسألونه عما يجب عليهم أن يفعلوه, ليقوموا بحق الله عليهم.. لكن الداعية الجديد الواعي الحكيم, لا يتعجل الطريق, ولا يستعجل قطف الثمار, انتظاراً للفرصة السانحة, ومزيداً من التهيئة للنفوس العطشى التي بدأت تستيقظ, فكان يجيبهم إجابات غير قاطعة, جذباً لانتباههم, وتشويقاً لأسماعهم..ونجح الأسلوب, وحدث ما توقع وتمنى.. ازداد إلحاح الأسئلة عما يجب أن يفعلوه, فأشار عليهم باختيار مكان خاص, يجتمعون فيه, بعد دروس المقهى أو قبلها, ليتدارسوا هذه الأحكام.. وتم له ذلك, ووقع الاختيار على زاوية نائية (مصلى صغير) في أطراف المدينة, ولكنها في حاجة إلى شئ من الترميم والإصلاح, كي تصلح للاجتماع وإقامة الشعائر والاستماع إلى الدرس.

أضف تعليق

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*