بدر محمد بدر يكتب :سطور من حياة الإمام المجدد “حسن البنا” ( 16 )


وهنا تتجلى بركات النية الخالصة لوجه الله, وتتعانق مع روعة الأسلوب وصدق الحديث, لتظهر النتيجة المشرقة.. لقد أسرع هؤلاء الرجال البسطاء إلى الزاوية المهدمة, فرمموها, واستكملوا أدواتها في ليلتين فقط, فقد كان منهم البناء والنقاش وغيرهم, وانعقد بهذه الزاوية الصغيرة أول لقاء.. وحرص الداعية الحكيم على أن يسلك بهم مسلكاً عملياً خالصاً, فعلمهم الوضوء, ثم ذكر لهم فضائله الروحية والبدنية والدنيوية, من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم انتقل بهم بعد ذلك إلى تعلم الصلاة, شارحاً أعمالها, مطالباً إياهم بأدائها عملياً أمامه, ذاكراً فضلها ومخوفاً من تركها وإهمالها, وهكذا.. وفي أثناء ذلك يستظهر معهم سورة الفاتحة واحداً واحداً, ويصحح لهم ما يحفظون من قصار السور..
سورة سورة, وفوق كل ذلك لا ينسى أن يذكرهم بالعقيدة الصحيحة, ينميها ويقويها ويثبتها في النفوس الظمأى, والقلوب الحيرى, بما ورد في القرآن الكريم من آيات الذكر الحكيم, وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم, وسير الصالحين من صحابته الكرام, ومسالك المؤمنين الموحدين, لا يحاول هدم عقيدة فاسدة إلا بعد بناء عقيدة صالحة, فما أسهل الهدم بعد البناء وما أشقه قبل ذلك..
ونقف هنا وقفة أمام هذا الجهد الكبير والصبر الجميل لهذا الداعية النابه, لينزل من المستوى الثقافي والعلمي والدعوي, الذي يناسب شاباً متحمساً تخرج من الجامعة, إلى المستوى البسيط: لغة وفهماً وثقافة ومعيشة, لأناس من قاع المجتمع, لا يعرفون الوضوء أو الصلاة أو قراءة القرآن أو حفظ بعض آياته، وفي نفس الوقت ربما تسيطر على عقولهم بعض الخرافات أو الاعتقادات الفاسدة, هذا الجهد الكبير الذي بذله الداعية الواعي حتى نجح في أن يتفاعل معهم وأن يحركهم ويوجههم, لابد من لفت الانتباه إليه, حتى يدرك الدعاة, من الشباب خصوصاً, ضرورة النزول إلى مستوى المدعوين, ثم الارتفاع بهم رويداً رويداً, بالحب والصدق والرفق إلى آفاق الدعوة الرحبة..
هواة الجدل ومحبو الخلاف:
استمر اللقاء في تلك الزاوية, فترة من الزمن, ثم انتقل إلى زاوية أخرى يملكها الحاج “مصطفى” بحي العراقية.. كان الدرس يستغرق ما بين المغرب والعشاء, ثم ينتقل إلى المقاهي التي بدأت فيها الدعوة, ليستمر توافد الناس إلى الزاوية, يستمعون أكثر, وينفذون ما يسمعون ويتجاوبون عملياً لتوجيهات الداعية الناجح، لكن هواة الجدل, ومحبي الخلاف بدأوا يتسللون إلى تلك الدروس لإفسادها, وإطفاء الروح المشرقة التي تغمرها, لكن الداعية الحكيم, الذي درس وتأمل وعاش الليالي الطوال يفكر في كيفية الابتعاد عن هذه الفتنة, كان موفقاً غاية التوفيق في مواجهة هذه الأزمة, بل والاستفادة منها ببراعة فائقة..
لم يدع “حسن البنا” أنه عالم أو فقيه, ولكنه اختار وصف المدرس الذي درس بعض الأحكام الشرعية, ويريد أن ينشرها بين الناس, فلا محل إذن لجدال عقيم, أو نقاش سقيم, أو سقطة لا طائل من ورائها, ومن أقواله في هذا المقام:
“.. إن هذه المسائل اختلف فيها المسلمون مئات السنين, ولازالوا مختلفين, والله تبارك وتعالى يرضى منا بالحب والوحدة, ويكره منا الخلاف والفرقة, فأرجو أن تعاهدوا الله أن تدعوا هذه الأمور الآن, وتجتهدوا في أن نتعلم أصول الدين وقواعده, ونعمل بأخلاقه وفضائله العامة, وإرشاداته المجمع عليها, ونؤدي الفرائض والسنن, وندع التكلف والتعمق, حتى تصفو النفوس, ويكون غرضنا جميعاً معرفة الحق, لا مجرد الانتصار للرأي, وحينئذ نتدارس هذه الشئون كلها معاً, في ظل الحب والثقة والوحدة والإخلاص”..

أضف تعليق

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن