سيف الدين عبد الفتاح يكتب : الظلم ظلمات

“مسألة الرضا هي في رضا الدولة عن المواطن، لا في رضا المواطن عن الدولة بموازين المطالب والوظائف”

 

تعد تلك الظواهر التي ترتبط بحالة الظلم في البلاد العربية من أهم القضايا التي يجب متابعتها والوقوف عندها، ومن المهم الإشارة، في البداية، إلى هذه الجملة الذهبية التي وثقها ابن خلدون في مقدمته، حينما أورد حقيقة كبرى “أن الظلم مؤذنٌ بخراب العمران”، ذلك أن هذه العبارة الجامعة، بما تحمله من معان، إنما تؤكد على خطورة الظلم على بناء المجتمعات، وعلى نماذج وبنيات مؤسساتها، وعلى مجموع سياساتها.

حينما يتأكد أن الظلم يسبّب حال الخراب في إطار يحرّك كل مؤسسات الفساد، وكل شبكات الجور، وكل بنيات الطغيان، يتأكد لنا أن حالة الظلم حينما تعم، إنما تشكل أكبر خطر يقوّض بنيان المجتمع وعمرانه، سواء تعلق الأمر ببنيته، أو بنماذج قيمه وأخلاقياته، والأمر أيضا قد لا يقتصر على مادة العمران وحسب. ولكن، يطول التخريب المتعمد كيان الإنسان، وما يرتبط به من ضرورات تقيم حياته المادية والمعنوية، فيكون ذلك خرابا للعمران والبنيان والإنسان والكيان.

وغاية الأمر في ذلك أن نتفحّص وجوه الظلم التي تتسرب إلى مناحي المجتمع والدولة على حد سواء، وتقيم هذه الشبكات، وتمكّن لتلك المؤسسات، فيتحول الظلم إلى حال طغيانٍ يختل به الميزان، ميزان العلاقات، وميزان المؤسسات، وميزان السياسات، وميزان القرارات، فتختل بالتالي كل موازين العمران، ويصير الظلم مع زيادته يدعو أقرانه من حالة استبدادٍ، ومن طغيان فساد، وتصير هذه الممارسات وتتقطع جملة علاقاته وشبكاته الاجتماعية، وتترهل كل طاقاته وقدراته في الفعل والفاعلية، ذلك أن تمكّن الظلم وامتداد الجور وهيمنة الجور واختفاء موازين العدل وامتهان قواعد الإنصاف إنما تشكل انعدام كل عناصر الثقة في حركة المجتمع وسياسات الدولة لتجعل من الظلم سياسة واستراتيجية.

دار بيني وبين صديقي حوار حول الظلم وأشكاله التي صرنا نرى تجلياتٍ لها، خصوصا بعد حالة الحصار لثورات الربيع العربي، وحالة من صعود (وتمكّن) الثورات المضادة التي

“حالة الظلم حينما تعم تشكل أكبر خطر يقوّض بنيان المجتمع وعمرانه، سواء تعلق الأمر ببنيته، أو بنماذج قيمه وأخلاقياته”

استطاعت أن تمكّن لكل مصالحها الدنيئة، والتي تحتمي بشبكاتٍ من الفساد ومؤسسات الظلم والاستبداد، ذكّرني ذلك الحوار بمقالاتٍ كثيرة، كنت أعالج فيها هذا الموضوع الخطير الذي يشكل اغتصابا للسياسة وفقدانا للثقة وخرابا للعمران، بحيث يكون الظلم، في هذا المقام، سياسات واستراتيجيات، يمكن لكل مظاهره وتجلياته، من خلال أدوات وآليات.
تحرّك ذلك صوب ما يمكن تسميتها تكلفة الظلم العالية من الناحية المادية، كذا من الناحية المعنوية. وعلى الرغم من أن أحوال العدالة لا تتكلف كثيرا، ولكنها تعبر، في واقع الأمر، عن مطالب إنسانية اعتيادية ومطالب فطرية بشرية، إلا أن الظالمين لا يجدون في هذه المعادلة أي إشباع لنزعات طغيانهم وإمكانات جورهم وقدرات استحواذهم وهيمنتهم، وهم إذ يقومون بذلك خلافا للموازين التي تقيم المجتمعات، فإنهم، في واقع الأمر، يدشّنون فساد موازينهم، وموازين انحرافهم وفسادهم، حتى يجعلوا منها القانون الساري الذي يطاول كل شيء في الدولة والمجتمع.

كان مفاد ذلك الحوار، ونحن نتحدث عن علامات الظلم البادية التي نراها في جنبات المجتمع، ونرى آثارا لها في داخل المجتمع وخارجه، من أخطر الأمور كذلك أن تجد أن الجنسية صارت عقوبةً، وأن الانتماء إلى وطن مع رفض بعض مظاهر الظلم فيه قد تحوّل إلى جريمة، هذه هي قوانين الظلم حينما تعم، الظلم ظلام وظلمات، الظلم خرابٌ وتخريب، يبدو ذلك لنا حينما أشرنا، في أكثر من مقال سابق، إلى تحول الجنسية إلى عقوبة.

صارت المسألة ضمن قواعد المواطنة هي عقد اتفاق ضمن قوانين الاستبداد، يقوم على علاقة السيد والعبد، يأمر السيد ويطيع العبد، وتتشكل حالة القطيع، إنه معنى الاستبداد بالمواطنة، حيث تصير كل إجراءات النظم الاستبدادية، ليست إلا تمارين إذعان يومية، ضمن إجراءات تدرب المواطن على حالات إذعانٍ دائمة من غير معقب، وبدون أدنى مراجعة، تبدو تمارين الاذعان الصباحية تلك التي يمارسها المواطن مع مستبديه حالة تدريبٍ على أن ليس للمواطن من حق، وليس عليه أن يعقب أو يحتج على ظلم، وعليه أن ينصاع لكل أمرٍ في طاعة عمياء وبعقلية القطيع، هذا هو المواطن الصالح في عرف المستبدين.

وهنا، كانت الدولة في مصر في طبعة المستبدين هي “الدولة الإله” ذات السلطة المطلقة

“مسألة الرضا هي في رضا الدولة عن المواطن، لا في رضا المواطن عن الدولة بموازين المطالب والوظائف”

الواحدة المتفردة، وتتجلى السلطة على شاكلتها وموازينها، وتتحرّك الدولة الإله فتجعل معيشة أي فرد فيها مرهونةً برضاها، لا برضا المواطن، ومسألة الرضا هي في رضا الدولة عن المواطن، لا في رضا المواطن عن الدولة بموازين المطالب والوظائف وإنجاز ضرورات المواطن الحقيقية. ولكن، عليه أن يطيع ما أمرت، وأن يدفع ما طالبت بجباية، وأن يخرج كل ما عنده، إذا ما طالبته الدولة القرصان بكل ما يملك، المواطن الصالح الذي لا يعترض ويفعل كل ما يؤمر به، فإن احتج أو قال “لا” صار متمرّدا، خارجا، مهدّدا للأمن القومي، يريد أن يهدم الدولة ويقوّض كيانها وأركانها ومؤسساتها، إنه المجرم المتطرّف أو الإرهابي المجرم الذي ينال من الدولة وأمنها.

ماذا يكون قرار الدولة الإله إلا أن تؤكد له أنها تحيي وتميت، أو تطارده وتطرده من جنتها، فيصير مطاردا منفيا، وإن وقع في قبضتها فهو في سجونها تحت التعذيب، تفعل به ما تشاء، وهي قادرة على أن تخفيه قسريا إن أرادت وتختطفه من غير قانون، وتضعه في غياهب السجون، وهي بذلك حين تطرده من جنتها أو ترديه بقبضتها، فإنها تتعامل معه وكأنه ليس شيئا مذكورا.

تعبّر عن ذلك أصدق تعبير تجربة مواطنٍ أراد أن يجهز بطاقة تموينية، وفق قواعد مستجدة، أرادت الدول والسلطة المتسبدة أن تمن عليه ببعض فتاتها، إلا أن الموظف الفرعون أضاع ملفه، وكان هناك مدخلان، أن يستأنف الموظف بناء ملف جديد له أو أن يعلمه بشيء خطير. إنه في كشوف التسجيل عنده ميت، هكذا أسقطه من الكشف ومات، وعندما تساءل المواطن ماذا أفعل؟ جاءه رد الموظف الفرعون بكل جبروته، فلتثبت أنك حي، هذه هي القضية، قضية الدولة حينما تستخف بالناس وتتعامل معهم كسقط متاع أو ساقطي قيد أو حتى في عداد الأموات.

وهنا، نجد هذا المطارد المطرود من جنة الدولة، قرّر مواطن ما مع التضييق عليه أن يخرج منها بلا رجعة، فأبرزوا له أنه ممنوعٌ من سفر، منعوه من الخروج، عليك أن تكون المواطن الصالح في عرف المستبدين، مذعناً مطيعاً تقول آمين، يخرج متحايلا فيجعلون من جنسيته عقوبة، يمنعون عنه تجديد أوراقه الثبوتية، أو استخراج أي أوراق رسمية، هو بالنسبة لهم احتج وخان المواطنة الصالحة، حدثته نفسه أن يقول “لا”. وهنا جعلوه مطاردا أبلغوا السفارات، ووضعوه على قوائم المطارات، وصار مطاردا من دولته، ومن دول غيره، طردوه من رحمتهم، ما بال هذا الظلم، هل يمكن لأحدٍ أن يخفيه، هذا مدخل قصة الظلم، نفتحه ونتحدث عنه في مقالات قادمة.


نشر هذا المقال فى موقع “العربي الجديد” بتاريخ 16/2/2017

أضف تعليق

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن