عادل الحلبى يكتب : الأرواح الشريرة

الأرواح الشريرة تُسافر بلا أجنحة إلى العالم الذي يعلوه المآذن وتُقام فيه الصلوات، يزعجها الأذان، ويُكدرها شاب نشأ في طاعة الله،

عادل الحلبي

 

الأرواح الشريرة تُسافر بلا أجنحة إلى العالم الذي يعلوه المآذن وتُقام فيه الصلوات، يزعجها الأذان، ويُكدرها شاب نشأ في طاعة الله، وظِل شيخ عجوز يتوكأ على عصاه ليلحق بالصلاة، هنالك نسمع لها نقيقاً في الأرض ونعيقاً في الفضاء، يترنم بها قُرناء الشيطان وبطانة السوء من الكهنة، فيصنعون لها تماثيل وقدوراً، ويعبدونها من دون الله، ويوقدون لها ناراً وهم الأَوْلى بها صِلياً.

الأرواح الشريرة اعتادت الإزعاج حين حضورها مصطحبة سَحَرتها، فما أن تَحل إلا والخراب يعقبها، تفرق بين المرء وزوجه، أقدامها ثقيلة وأعمارها طويلة، ترتدي من الحُلل السواد، ظلالها من قطرانٍ وسراب، ومسكنها خراب، تعشق الاضطراب والجنون والفُجر والعُهر والمجون، لا تنام، تَخشى ألا يُفزعها منام أنها على شفا جُرفٍ هار أوشك أن ينهار بها في نار جهنم.

الأرواح الشريرة لا ترتقي ولكنها تهبط علينا من حيث لا ندري، إذا تناجوا تناجوا بالإثم والمعاصي، ولا يطأون موطئاً إلا وكانت عاقبة أمرهم خُسراً، عاليهم فِسق وفجور، وأدناهم عبوس وبِسُور، تغلفهم هالة من ظلام، وتحرسهم خفافيش آدمية يفتون لهم بأمرهم، ويُشَرعون إذا ما دُعوا، وفضاؤهم فسيح فيه ريح خبيثة، لا تتورع خجلاً أمام عظيم الفدح، فقد هجرت طريق الله، فصدئت قلوبها، فماتت فأُقبرت.

الأرواح الشريرة تُقبل على الدنيا، وتُقبل الدنيا عليها، هي جنَّتهم في الأرض تُوفِي لهم كأسها ومذاقها، فيستمتعون بما أوتوا، وقلوبهم موقنة أنهم يديرون مقاليد يومهم وغدهم بإشارة من إصبعهم، وأن الفُلك تجري بأمرهم، والريح غُدُوها بإذنهم، الكِبرياء قِبلتهم، والغرور شيمتهم، تراهم غِلاظاً شِداداً لا يبصرون غير أنفسهم وما سواهم جراد، لا يعلمون أن متاعهم فيها قليل.

الأرواح الشريرة ملمسها ناعم كأثواب الثعابين، يغشاهم عارض من عذاب وشقاء، يستهوون مجالس الأمراء وعروش السلاطين، يمدحون ويقدحون، مكتئبون تعلوهم تكشيرة وتنهيدة بعرض السماء، ويعشقون الأنين والحنين والبكاء، وبينهم وبين الضياء عداء، لا يغفرون ولا يصبرون على رد الكيل الصاع بصاعين، ولا يروي ظمأ حلوقِهم وبطونهم غير الدماء، وقُل فيهم ما تشاء.

الأرواح الشريرة يرتقون ويكتوون ويتطيرون، وإذا أطعموا لا يشبعون، أجسادهم مفتولة، ووجوههم مُسودة، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، تنتهي دائماً وأبداً بخاتمة لا يحتملها عقل بشري ولا يستطيع كاتب بلغ ما بلغ به من الحِكمة أن يدوّنها في كتاباته أو يُلمح بها من فدحها وهولها، هي كالصواعق لا تصفها أقلام، ولا تسجلها صور، ولا تجسدها أفلام؛ لأنها صُنع الله الحليم إذا غضب أخذ الظالم أخذةً رابيةً.

الأرواح الشريرة إذا حضرهم الموت تكفهر وجوههم، وتسود أبدانهم، وتتشنج أيديهم وأرجلهم، ويتفوهون بزفراتٍ مُجلجلاتٍ تتصدع منها الجُدر، ويغرغرون كعيرٍ، رُغاء فيه نتن ما أسلفوا من حياتهم، ويضربون وجوههم وأدبارهم بما قدمت أيديهم، ولا يموتون إلا على ما أترِفوا فيه، سبحان الله إنها أسوأ خاتمة، نهاية محزنة مخجلة مخزية، سبحان من أذلَّ الجبابرة!

أضف تعليق

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن