كيف أسرعت التنظيمات المسلحة (داعش وأخواتها) فى مؤامرة تقسيم البلاد العربية ؟

طالب ليبرمان وزير الدفاع الاسرائيلي بتقسيم سوريا والعراق وطالب بإقصاء الأسد وانسحاب ايران وحزب الله من سوريا.

 

عندما تسعى حركة إسلامية لإقامة دولة الخلافة يجب أن تدرس المحيط الذي تتحرك فيه، وما هي الاستراتيجية الاسلامية، وما هي استراتيجية الأعداء. وفكرة إقامة دولة الخلافة العامة في جزء من سوريا وجزء من العراق فكرة متهورة لا تدري ألف باء العمل السياسي.

 إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقم دولة إسلامية إلا على أرض الجزيرة العربية، ثم تمددت بعد وفاته بشكل طبيعي شرقاً وغرباً دون أن يكون له توجهات صريحة في هذا الشأن أو وصية قبل وفاته خاصة في خطبة الوداع. لم يكن هناك أي داع لأن يتصور قادة داعش أنهم هم الأصلح لتأسيس دولة الخلافة الاسلامية. ولكنهم إذا أنشأوا إمارة إسلامية ما، ونجحت وأثبتت وجودها فإنها ستنتشر وتتمدد بآليات طبيعية . وهم بإعلانهم أن سلطتهم هي دولة الخلافة الشرعية، فقد رتبوا على ذلك إن عدم مبايعتها من أي مسلم يعتبر خروجاً عن الدين، ويستحق الموت باعتباره خروجاً عن الحاكم الشرعي وتحت هذه الراية تم الاقتتال مع جبهة النصرة وغيرها.

ولكن نركز في هذه الحلقة على مسألة تقسيم بلاد العرب والمسلمين باعتبارها الخطة الرئيسية للأعداء (أمريكا واسرائيل) بحيث يتعين عدم مساعدتهم على تحقيقها. وعندما تقول داعش إنها لا تعترف بسايكس- بيكو فهذا شعار عظيم ورأي سديد، ولكن عن طريق توحيد البلدان لا تفتيتها. فهم قسموا سوريا وقسموا العراق ولم يحافظوا على “دولتهم” الجديدة وساهموا في اندلاع حربين أهليتين في بلدين مختلفين. وعبر التاريخ الاسلامي كان هناك عراق وكان هناك شام (بلاد الرافدين- الشام) والموقف الاسلامي الصحيح كان يقوم على إدراك هذا الواقع مع التوحيد السياسي الذي يراعي الشخصية المتميزة لكل بلد.

يقول إعلام داعش ان هذه كانت خطوة أولى سيليها اليسطرة الكاملة على العراق وسوريا وأي حساب علمي يقول أن الهدف مستحيل في المدى المنظور وهذا ما أثبتته الأيام.

نؤكد دائماً أن القول بأن قادة داعش عملاء أمريكا واسرائيل هو كلام سخيف وسطحي وساذج. ولكننا أمام لعبة game من أعقد ما يكون.. الأمريكان يحركون الأمور عبر السعودية وقطر وتركيا وهم يفتحون المجال لداعش كي تحقق مآربهم دون أن تدرك. لاحظ كيف تفاعل الأمريكيون والغربيون مع الواقع الجديد الذي حققته داعش:

(1) في البداية عقب وقوع الموصل في يد داعش، صرح وزير  الدفاع الأمريكي بأن خريطة المشرق العربي لن تعود كما كانت، ولابد من تثبيت دولة للسنة (بعد التخلص من تطرف داعش) وان الحدود بين سوريا والعراق لن تعود كما كانت، وكذلك الأوضاع في كل منهما. وتعددت التصريحات من كبار المسئولين الأمريكيين السابقين في نفس الاتجاه. وهذا الوضع سيؤدي إلى إنهاء بلدين كبيرين في المشرق.

(2) أصدر الاتحاد الاوروبي مؤخرا وثيقة عن طريق موجيريني المسئولة عن العلاقات الخارجية وجاء فيها: ان اللامركزية هي مفتاح تهدئة الأوضاع والاستقرار في سوريا التي مزقتها الحرب، وانه لابد من بناء نظام سياسي جديد يمكن فيه لمختلف المجموعات والمناطق أن تعيش بسلام جنباً إلى جنب ضمن إطار سياسي واحد.

(3) طالب ليبرمان وزير الدفاع الاسرائيلي بتقسيم سوريا والعراق على أسس مذهبية وعرقية وطالب بإقصاء الأسد وانسحاب ايران وحزب الله من سوريا.

(4) بترايوس الرئيس السابق للمخابرات العسكرية الأمريكية صرح بأن الحرب على الارهاب ستستمر لأجيال!! هم يريدون ذلك كمبرر لتعميق التقسيم رغم أن التحالف العسكري الدولي يضم 68 دولة!! (ياسلام) 68 دولة تعجز عن هزيمة داعش وهل يوجد دعاية لداعش أكثر من ذلك. وهناك فيض من التصريحات الرسمية وشبه الرسمية في هذا الاتجاه وهذه مجرد عينة . لماذا لم يفكر قادة داعش في هذا الالتقاء العجيب في الأهداف.

مرة أخرى نؤكد أنه لا يوجد اتفاق مباشر بين قادة داعش وأمريكا ولكن هناك اتفاق مباشر مع  تركيا (سابقا) ومع السعودية وقطر، على أساس أن ما يجمعهم هو الحرب ضد الشيعة!! وقادة داعش لا يدركون أن قرارات كبرى كهذه لايمكن للسعودية أو قطر أو تركيا (قبل محاولة الانقلاب الفاشل) أن تتخذها بدون موافقة وعلم وتنسيق مع أمريكا ودول الناتو. ولعل بعض قادة داعش يدركون ذلك ولكن يتجاهلون في سبيل الحرب المقدسة ضد الشيعة!! (وقد تحدثت عن الخطأ الاستراتيجي الشرعي في  ذلك في الحلقة السابقة).

عدم جدية أمريكا في الحرب ضد داعش

بعد 6 شهور من القصف الجوي على مناطق داعش في سوريا والعراق صرح مسئول عسكري غربي ان هذا القصف ضعيف  للغاية بل ان قصف 6 شهور يماثل القصف لمدة يوم واحد على عراق صدام حسين!

والآن دخلنا في العام الثالث، ويشكو النظام العراقي من تكاسل وبطئ القصف الأمريكي والغربي، والقصف على الرقة لا يكاد يذكر. ثم هل كان قصف  ناقلات البترول صعبا إلى هذا الحد. هل كانت تركيا تستورد البترول بدون علم الغرب وهل الدخول والخروج عبر تركيا لم يكن معروفاً لهم.

وكيف تم نقل قوات داعش إلى سرت إلا عبر سفن من تركيا!!

لست من القائلين أن أمريكا قادرة على كل شئ. ولكننا نتحدث بالعقل. فصدام حسين لم يتوق الحصار إلا بالتعاون مع سوريا ثم مع إيران. كما أن أمريكا لم تسع لاسقاط سريع لصدام بين 1992 حتى 2003 خوفا من تمدد النفوذ الإيراني، وكانت حماقة بوش الصغير أن فعلها. إذن الذي يحمي قوة مناوئة لأمريكا: (1) وجود حد أدنى من السلاح الدفاعي. وهذا غير موجود في حالة داعش. (2) توازنات اقليمية وهذا موجود. فهزيمة داعش بشكل سريع يعني هيمنة كاملة للحكومة العراقية وهي موالية لايران أكثر من تعاونها مع أمريكا. ونفس الشيئ في سوريا.

خطة التقسيم:

وهذا يعود بنا إلى خطة أمريكا الأصلية.. وهي خطة التقسيم التي وردت في كتابات شتى ولكن أشهرها: كتابات برنارد لويس وهو يهودي بريطاني استقر في أمريكا وأصبح مستشاراً للكونجرس والبيت الأبيض ودراسة لكاتب اسرائيلي يونيون (بوزارة الخارجية الاسرائيلية) وهذه الكتابات تؤكد على أن الأمة الاسلامية هي العدو الرئيسي (كما يقول صمويل هينتنجيتون وهو أيضا مستشار للنظام الأمريكي) وانه لا ينفع معها إلا استخدام العنف. ولكن الدخول في حرب صليبية جديدة سيكون مكلفاً للغاية (وقد تأكد هذا في العراق وأفغانستان) وأن التفتيت أو التقسيم هو السلاح الناجع في تركيع العالم الاسلامي، فالدويلات الصغيرة ستكون عاجزة عن المقاومة، وستستسلم جميعا (فرق تسد).

وان كان إذكاء الحروب بين السنة والشيعة هو السلاح الأساسي في مناطق سوريا والعراق واليمن. ولكن هناك فوارق أخرى صالحة للأذكياء: العرب والأمازيج في المغرب العربي- المالكية والاباضية في الجزائر- العرب والزنوج في السودان- العرب والكرد- ومصر مرشحة لتكون 3 أو 4 أو 5 دول: دولة مسيحية- دولة مسلمة أو دولتان واحدة في قبلي والأخرى في بحري- دويلة النوبة. وأثناء احتلال اسرائيل لسيناء سعت لإقامة دولة سيناء البدوية. ولا تزال سيناء تشغل عقل اليهود- بينهم وبين البدو والفلسطينيين.

ومخطط التقسيم ليس نظريا وليس من قبيل التخمين أو الهلوسة فهو يتقدم بثبات. فالصومال أصبحت 3 دويلات، واليمن انقسمت في السابق إلى دويلتين ومعرضة للعودة لذلك- وجنوب السودان انفصل عن السودان بمساعدة الغرب واسرائيل، ويتكرر نفس السيناريو في دارفور والنيل الأزرق وأبييه وكردفان، وكردستان العراق أصبحت دولة مستقلة عمليا- وتركيا وسوريا معرضتان لنفس السيناريو، وأيضا ايران معرضة لتقسيم ثلاثي أو رباعي، والسعودية معرضة لفصل الشرق البترولي عن الحجاز، ولبنان معدة للتفجير في أي وقت فالطوائف هي الدول الحقيقية وليست الرئاسة أو الحكومة. ومن قبل تم فصل باكستان الشرقية (بنجلادش) عن الغربية، وتم فصل اقليم تيمور عن اندونيسيا. وتم فصل سنغافورة عن ماليزيا. وليبيا يتم تقسيمها على أساس قبلي وجبهوي، وهناك خرائط ملونة بهذا المشروع على الانترنت.بحسب (جريدة الشعب)

وإذا عدنا إلى مركز هذه الحرب التقسيمية  لأنها في مركز العالم أو ما يسمونه الشرق الأوسط (سوريا- العراق)- نجد أن العراق تم تقسيمه فعليا إلى دولة شيعية في الجنوب ودولة كردية في الشمال، ودولة سنية في الوسط هي داعش الآن ويراد تحويرها إلى دولة سنية أكثر اعتدالا.

وإذا لم تجد الطبقة السياسية الشيعية صيغة مرضية ومريحة لسنة العراق، فسيظل المثلث السني متمرداً وعصيا بداعش أو بدون داعش. الشيعة يمثلون 60% من العراق ومن الطبيعي أن يفوزوا في انتخابات حرة ولكن الأغلبية في البرلمان لا تعني تهميش السنة في الحكومة وفي الحياة السياسية. ولابد من صيغة لوأد هذه الطائفية المقيتة. وهذا تحدي لن يحله إلا ظهور فئة مجددة من داخل العراق. ودورنا من خارج العراق أن نعلن رفضنا المبدئ لهذا الاستقطاب الطائفي.

عندما جاء الأمريكان إلى العراق عمقوا هذه الطائفية بل قننوها في الدستور. وهذه الدويلات الثلاث مكتوبة في خططهم (دولة شيعية- سنية – كردية) أمريكا واسرائيل مع الدولة الكردية قلبا وقالبا، وهم يتصارعون مع ايران حول النفوذ في الدولتين الأخريين. وبالعكس كلما اتجهنا لإعادة توحيد العراق كلما أفشلنا مخططهم.

في سوريا الخريطة أصبحت واضحة في معالمها الرئيسية:

(1) في الشمال الغربي تم الاعلان عن دولة اسلامية (النصرة)

(2) في الشمال الشرقي هناك دولة الرقة+ دير الزور

(3) في الوسط والساحل الدولة القديمة (علويون- شيعة- اسماعليون- دروز- مسيحيون- جزء من السنة)

(4) دولة كردية في الشمال ومرشحة للانضمام لكردستان العراق. وحتى النظام السوري بدأ يتحدث عن أشكال من الحكم الذاتي وهذا من واقع الضعف. ويبدو أن سوريا تحتاج لهذه المرحلة حتى تهدأ النفوس على طريق التوصل لصيغة ديمقراطية تحفظ وحدة البلاد.

***********

ضد أمريكا واسرائيل

ما الحل أمام كل هذه المتاهة؟

ان الحلف الصهيوني- الأمريكي- الغربي هو الذي يبذر بذور الشقاق بيننا، وهو يريدنا دائماً تحت أقدامه.. نأخذ منه المعونات والديون والدعم العسكري ليقتل بعضنا بعضا..هذا هو الداء.. والدواء هو محاربة هذا الحلف والتوحد معاً ضده.. إن إعادة اسرائيل إلى بؤرة الشعور هو الذي يضبط البوصلة في كل الاتجاهات الصحيحة. لقد أدخلوا في روعنا ان محاربة اسرائيل هي ذروة الكوارث وان السلام هو الحل الناجع خاصة واننا لا قبل لنا بها.

فالآن وبدون اسرائيل فقد تم تدمير كثير من البلاد العربية بما كان لا يمكن أن يحدث أكثر منه في حرب مع اسرائيل، أما الدول الأقل دماراً فقد تمزقت اجتماعيا وسياسياً. فلم يكن العرب في أسوأ من هذا الوضع ولم تكن اسرائيل في وضع مستريح أكثر مما هي عليه الآن.

إن محور الصراع الأساسي هو المحور العربي- الاسلامي/ الاسرائيلي وهذا لا يعني فتح النار دوما على اسرائيل، ولكن ترتيب الأولويات والاهتمام بالنهضة الاقتصادية- العلمية والتركيز على موالاة العرب والمسلمين بعضهم بعضا في إطار السوق المشتركة وكافة أنواع التعاون، ودعم حركات المقاومة الفلسطينية ووقف كافة أشكال التطبيع مع اسرائيل…(والحديث متواصل)

أضف تعليق

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن